محمد طاهر الكردي
175
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
نفسي » . وقال في خطبته : « إن عبدا خيره اللّه تعالى بين الدنيا وبين لقائه فاختار لقاء اللّه تعالى - فقال أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه : فديناك بأنفسنا وأموالنا وآبآئنا وأولادنا » . ومعنى الآيات : إذا جاء نصر اللّه والفتح لك " يا محمد " ودانت لك العرب - وتتابعت الفتوحات عليك التي منها الفتح الأعظم ، فتح مكة وبلدتك التي أخرجوك منها - وإذا رأيت الناس يدخلون في دين اللّه أفواجا وجماعات رغبة وحبا في الإسلام ، فاعلم أنه قد علا شأنك وانتشر دينك وجاء الحق وزهق الباطل - وبهذا تكون مهمتك النبوية قد انتهت - وتكون أنت قد أديت الأمانة وبلغت الرسالة ، فلا خوف بعد موتك على دين اللّه تعالى أبدا - فلا يزال ينتشر في جميع البلدان ويزحف على جميع البقاع والأطراف ، ويتتابع الناس في الدخول في دين اللّه أفواجا أفواجا إلى قيام الساعة - فحينئذ تفرغ لعبادة اللّه تعالى أكثر من حالتك الأولى استعدادا للقاء ربك - فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً حيث قد قرب أجلك ودنا ذهابك إلى الرفيق الأعلى . وفي الصحيحين عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها ، قالت : « ما صلى رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم صلاة بعد أن نزلت عليه سورة : إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ - إلا يقول : أستغفر اللّه وأتوب إليه - قال : فإني أمرت بها - ثم قرأ : إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ إلى آخرها » - وقال عكرمة : لم يكن النبي صلى اللّه عليه وسلم قط أشد اجتهادا في أمور الآخرة ما كان عند نزولها . وقال مقاتل : لما نزلت قرأها النبي صلى اللّه عليه وسلم على أصحابه وفيهم أبو بكر وعمر وسعد بن أبي وقاص والعباس ، ففرحوا واستبشروا ، وبكى العباس ، فقال له النبي ، صلى اللّه عليه وسلم : ما يبكيك يا عم ؟ قال : نعيت إليك نفسك ، قال : إنه كما قلت ، فعاش بعدها ستون يوما ما رؤي فيها ضاحكا . ا ه . وقيل : عاش صلى اللّه عليه وسلم بعدها ثمانين يوما . انتهى . والمعقول أنه صلى اللّه عليه وسلم عاش بعد نزول هذه السورة اثنين وتسعين يوما ، وذلك من عاشر ذي الحجة ، وهو تاريخ نزول هذه السورة إلى يوم وفاته صلى اللّه عليه وسلم في الثاني عشر من شهر ربيع الأول . ويؤخذ من هذه السورة المباركة الكريمة التي نزلت في حجة الوداع أن الناس قد دخلوا بالفعل في دين اللّه أفواجا أفواجا ، فإن النصر العظيم لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الفتح الأعظم وهو فتح مكة شرفها اللّه تعالى وأدام أمنها وخيرها ورخاءها -